أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
71
عجائب المقدور في نوائب تيمور
وحين التقى على وجنتي الكون عارضا الليل ، واستوفى أولئك المطففون من ظلمهم وتعديهم الميزان والكيل ، وبادر نون الظلام ، يونس الشمس بالالتقام ، طرأ على تلك الحركات السكون ، فتراجعوا ، ونزل العسكر مقابل عربون ، وقد قتل من العسكريين ما سبق العدد ، وأكثرهم كان من أهل البلد ، فباتوا يعدون السلاح ويثقفونه ، وينتظرون الصباح ويستبطئونه ، إلى أن شق الليل مكتوم جيبه ، وأظهر الظلام مكنون غيبه ، وأمر الكون وجه النهار أن يضرب على جنبي الآفاق أصراف شيبه ، بكروا بكور الغراب ، وبدروا إلى الحراب والخراب ، وعصروا أهل المدينة ، وحاصروها أشد حصر ، وهدموها وأسوارها من الظهر ، فمحوا آثارها بعد العصر ، ثم باؤوا بالآثام ، وقد انتشر كظلمهم الظلام . ايضاح ما أخفاه من الحيلة ، وصلود « 1 » زند تلك الأفكار الوبيله ولما آب ليله بالخيبة ، ولم يمكنه تحصيل القلعة بالهيبة ، شحذ فكرا ، وحدد مكرا ، وتاب عن المقابحة ، وثاب إلى المصالحة ، فردع ذلك الخسيس ، في نهار ذلك الخميس ، وأرسل إليهم يقول ، ضمن كتاب مع الرسول : « نعلم أهل قلعة ماردين ، والضعفاء والعجزة المساكين العطاش ، أننا قد عفونا عنهم وأعطيناهم الأمان على نفوسهم ودمائهم ، فليأمنوا وليضاعفوا لنا الأدعية » ، وهذه الرسالة نقلتها كما وجدتها ، فما استتب كيده ، ولا نجح قصده ، لأن رصدها كانوا غير راقدين ، وشياطين حرسها كانوا لها كزي ماردين ، فارتحل ذلك البليه ، بكرة السبت إلى البشيريه « 2 » . وأرسل إلى آمد الجنود ، مع أمير يدعى سلطان محمود « 3 » ، فتوجه بجيش طام ، وحاصرها خمسة أيام ، وأرسل يستمده عليها ، فتوجه بنفسه
--> ( 1 ) - الصلود : صوت الزند أثناء قدحه ليشتعل ، والزند هو العود الأعلى الذي تقتدح به النار . ( 2 ) - البشيرية : ربض من أرباض آمد . ( 3 ) - هو محمود بن سيور غاتمش ، ولاه تيمور في عام 790 ه / 1388 م على عرش خانية جغتاي بعد وفاة والده .